ابن ميثم البحراني

201

شرح نهج البلاغة

مطَّلعة على جميع أفعال أممها ومشاهدة لها من خير أو شرّ ، وأمّا فايدتها فقد علمت أنّ أكثر أحكام الناس وهمّية ، والوهم منكر للإله على الوجه الَّذي هو إله فبالحريّ أن ينكر كونه عالما بجزئيّات أفعال عباده ودقايق خطرات أوهامهم ، وظاهر أنّ ذلك الإنكار يستتبع عدم المبالاة بفعل القبيح والانهماك في الأمور الباطلة الَّتي نهى اللَّه تعالى عنها فإذا ذكر لهم أنّ عليهم شهداء ورقباء وكتّابا لما يفعلون مع صدق كلّ ذلك بأحسن تأويل كان ذلك ممّا يعين العقل على كسر النفس الأمّارة بالسوء وقهر الأوهام الكاذبة ، ويردع النفس عن متابعة الهوى ثمّ لا بدّ لكلّ رسول من امناء على دينه وحفظة له هم شهداء أيضا على من بعده إلى قيام الساعة ، وإذا كان معنى الشهادة يعود إلى اطَّلاع الشاهد على ما في ذمّة المشهود عليه وعلمه بحقيقته وفائدتها حفظ ما في ذمّة المشهود عليه وتخوّفه أن جحده أو لم يوصله إلى مستحقّه أن يشهد عليه الشاهد فيفضحه وينتزع منه على أقبح وجه ، وكان هذا المعنى والفائدة قائمين في شهادة الأنبياء عليهم السّلام إذ بها تتحفّظ أو أمر اللَّه وتكاليفه الَّتي هي حقوقه الواجبة ، ويحصل الخوف للمقصّرين فيها بذكر شهادة الرسل عليهم بالتقصير فيفتضحوا في محفل القيامة ويستوفى منهم جزاء ما كلَّفوا به فقصروا فيه بالعقاب الأليم لا جرم ظهر معنى كونهم شهداء اللَّه على خلقه . الحادي والعشرون : كونه مبعوثا بالحقّ وهو الدين الثابت الباقي نفعه وثمرته في الآخرة ، ثمّ أعاد ذكر كونه رسول اللَّه إلى خلقه . وإنّما كررّه لأنّه الأصل في باقي الأوصاف ، وظاهر أنّ كلّ هذه الأوصاف جهات استحقاق الرحمة والبركة وإفاضة الصلوات الإلهيّة على نفسه القدسيّة . الفصل الثالث : في تفصيل المطلوب من هذا الدعاء وهو قوله : اللَّهم افسح . إلى آخره ، وطلب أمورا : أحدها : أن يفسح له مفسحا في ظلَّة : أي مكانا متّسعا في حضرة قدسه وظلّ وجوده ، ولفظ الظلّ مستعار للجود ، ووجه المشابهة راحة المستظلّ بالظلّ من حرّ الشمس فأشبهها راحة الملتجىء إلى جود اللَّه المستظلّ به من حرارة جهنّم وسعير عذابه ، وإليه الإشارة بقوله تعالى « وَظِلٍّ مَمْدُودٍ » .